السياسات الاقتصادية نهج الثورة المضادة في مصر

5 يونيو

 

السياسات الاقتصادية نهج الثورة المضادة في مصر

5 يونيو 2014

عصام شتاء 2013 انقرة

منذ اندلاع الثورة المصرية، وهناك صراع إرادات قائم لا يهدأ، متجسد في إرادة الشعب من أجل التغيير، وإرادة النظام السياسي من أجل البقاء كما هو، محافظاً على المكاسب، وتراكم الثروات الذي تحقق عبر استمرار نموذج الحكم القائم على تزاوج السلطة والثروة. وقد شهدت السنوات الثلاث الماضية استخداماً مكثفا للأجهزة الأمنية في قمع كل من يسعى إلى تغيير هذا الواقع الاقتصادي والسياسي، وبناء نظام جديد يعبر عن آمال الناس في التغيير، وتحسين مستوى معيشتهم، هذا الهدف الذي انتفضت من أجله الشعوب، مطالبة بتغيير نمط الحياة البائس، وتجلى في مصر عبر شعارات بسيطة، ومطالب جزئية، تمحورت حول توفير السلع والخدمات ورفع الأجور وحل مشكلة البطالة.
من الثابت أن الثورة أحدثت تغييراً كبيراً في قدرة الناس على الحركة، وانتزاع مكاسب عديدة، إلا أنه، وفي الوقت نفسه، ظل الموضوع الأساسي محل الصراع شكل الدولة وطريقة إدارتها ومواردها وثرواتها، ونوع السياسات الاقتصادية، وهو موضوع لم تتم فيه خطوات حقيقية، تنبئ بانتصار مشروع الثورة على قوى الثورة المضادة، فما زالت مكونات السلطة، بتركيبها الطبقي والسياسي الذي يعد فيه رجال الأعمال والمستثمرون وجهاز الدولة، بما فيها الأجهزة الأمنية، جناحين أساسيين للسلطة والحكم، وهم المكونات نفسها للسلطة في عصر حسني مبارك.
تلك السلطة بمكونها السياسي الاستبدادي القمعي، ومكونها الاقتصادي اليميني المفقر المنحاز للأغنياء، أنتجت عدة ظواهر اقتصادية واجتماعية شديدة الوضوح والقسوة معاً، أبرزها ازدياد معدلات الفقر والعوز، وتعمق الأزمة الاقتصادية، مع تراجع الخدمات الحكومية وانهيارها، وبيع أصول وموارد الدولة، ناهيك عن عمليات الفساد وإهدار المال العام، وتخصيص ملايين الأفدنة لتلك الطبقة الحاكمة وحلفائها، من فئات بيروقراطية واسعة، تدير جهاز الدولة وتسيطر عليه. ويوضح هذا المشهد أنه لا إمكانية لوجود تغيير، يتضمن تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في ظل هذا النظام وهذا النمط الاقتصادي الذي أدى إلى مزيد من الإهدار، وأنتج فروقاً طبقية شاسعة، وزاد من تدهور الاقتصاد، حيث تكررت، بشكل دوري، ظواهر عجز الموازنة، وتضخم الأسعار وارتفاع معدلات الدين الداخلي والخارجي.
وتشهد مصر، الآن، جولة جديدة من صراع الإرادات المتناقضة بين احتياجات الشعب وممارسات السلطة، والذي ينعكس، بطبيعة الحال، على كل الحراك السياسي، ومنها الانتخابات الرئاسية، والتي أعطت دفعة كبيرة لعودة نظام حسني مبارك وبروزه مجدداً، بعد 30 يونيو/حزيران، بل وانضم إليهم فاعلون في المجال العام من كتاب وسياسيين التحقوا أخيراً بالسلطة ضد “الإخوان المسلمين”، متعللين بأن مصر في أزمة، وتحتاج إلى حكم وحاكم من مؤسسات الدولة، لأن هناك مخاطر على الشعب والوطن، ومؤامرة تحاك، تستهدف تقسيم مصر، وهناك مخطط الانصياع للإرادة الأميركية، مدعيه أن السلطة بعد 30 يونيو سلطة وطنية، لها موقف رافض للتبعية الأميركية، إضافة إلى تبرير آخر، هو محاربة الإرهاب. وبالتالي، ينتهج هذا المعسكر رؤية محافظة، تعتبر أن كل القضايا الديمقراطية، بما فيها الحريات وقضايا العدالة الاجتماعية وتلبية مطالب الناس، مؤجلة حتى يُقضى على الإرهاب، بل لا مانع من تحمل وجود تجاوزات وآلاف السجناء، طالما أننا في حالة حرب، فلا وقت للحريات، ولا وقت لحقوق العمال والمفقرين.

“السلطة في مصر بعد 30 يونيو تريد حماية نفسها ومصالحها بكل السبل، بل تريد تعويض خسائر لحقت بها، وتجاوز الهزة العنيفة التي تعرض لها نظام حسني مبارك. لذا هي حريصة، كل الحرص، على تحصين نفسها بوجود حاكم مرتبط عضوياً بمصالحها، وينقذ الطبقة الحاكمة من خطر تغيير اقتصادي واجتماعي حقيقي، قد تقوده القطاعات المفقرة التي تئن تحت وطأة الفقر والعوز والقمع”
وحقيقة الأمر أن هذا الحلف، بمكوناته، يسعى إلى شل حركة الجماهير، وحرف أنظارها عن جوهر الصراع الأساسي، وحقيقته في مصر، بين من يراكمون الثروات ومن لا يمتلكون غير قوت يومهم، ويعيشون بالكاد هم وأسرهم.
إذن، اتضح أن السلطة في مصر بعد 30 يونيو تريد حماية نفسها ومصالحها بكل السبل، بل تريد تعويض خسائر لحقت بها، وتجاوز الهزة العنيفة التي تعرض لها نظام حسني مبارك. لذا هي حريصة، كل الحرص، على تحصين نفسها بوجود حاكم مرتبط عضوياً بمصالحها، وينقذ الطبقة الحاكمة من خطر تغيير اقتصادي واجتماعي حقيقي، قد تقوده القطاعات المفقرة التي تئن تحت وطأة الفقر والعوز والقمع.
إذن، نحن أمام تحالف يريد استكمال تنفيذ سياسات التكيف الهيكلي التي توسعت مصر في تطبيقها، منذ بداية التسعينيات، وكذلك كل ما تبعها من إجراءات وقوانين، مثل قوانين الاستثمار والإعفاءات الجمركية، وتقديم التسهيلات والدعم للمستثمرين.

وفي الوقت نفسه، تريد السلطة تحميل فاتورة الأزمة الاقتصادية للفقراء، عبر فرض إجراءات تقشف، وإلغاء الدعم ورفع الأسعار، وقد اتضح ذلك التوجه بشكل واضح، في قرارات طرحت لمعالجة أزمة الموازنة وتلبية لشروط صندوق النقد الدولي الخاص بمنح مصر قرض مالي في مقابل تنفيذ تلك القرارات، والتي منها تحرير أسعار السلع والخدمات، وكان من جديدها تحرير سعر الدقيق، بل وتخفيض وزن الرغيف المدعم بنسبة 40% تقريباً، وثبات حصة الفرد عدديا بخمسة أرغفة، لكنها فعليا تم تقليصها إلى ثلاثة أرغفة لكل فرد.
وفي السياق نفسه، صدرت قرارات برفع أسعار الطاقة ومشتقاتها (السولار، الغاز الطبيعي، الكهرباء)، حيث تم رفع سعر الغاز الطبيعي أربعة أضعاف، وهي المرة الثانية التي يرتفع فيها سعره في عامين، ثم جاء قرار رفع التسعيرة الضعف، لتصل إلى 100 قرش لمن يتراوح استخدامه ما بين 25 وحتى 50 لتراً، ويزداد السعر على من يزيد استخدامه عن 50 لتراً مكعباً إلى 150 قرشاً.
وتكملةً لهذا التوجه، تم تعديل قانون الاستثمار، رقم 8 لسنة 1997، ليحرم المواطنين من حقهم في التقاضي، فيما يخص الصفقات والاتفاقيات الاقتصادية التي تبرمها الدولة مع مستثمرين، حيث قصر التعديل حق التقاضي لطرفي العقد (الحكومة والمستثمرين)، وهو أمر يؤكد نهج السلطة وتوجهاتها التي تريد إكمال مسيرة نظام مبارك الاقتصادية، وتدير مصر بوصفها عزبة يملكها من هم على قمة السلطة.
ويتعارض هذا القانون، أيضاً، مع فكرة الملكية العامة ومبدأ المصالح المشتركة، إضافة إلى أنه يتعارض مع الدستور الجديد الذي يتم التباهي به، ووصفه بأنه أداة الحفاظ على حقوق الناس، وتحقيق قيم السيادة للشعب وحفظ المصلحة العامة والثروات المملوكة للشعب، ومن الواضح أن الأحكام القضائية المتكررة التي صدرت ضد عمليات البيع والخصخصة للشركات العامة المنتجة، والتي قضت أحكام القضاء بعودتها تزعج من هم على رأس السلطة، لأنهم لا يريدون حساباً أو رقابة من أحد، ولا يعتدّون بأن للشعب حقوقاً في الرقابة والمحاسبة. ومن جانب آخر، أثبتت التجربة، بشكل واضح، أن أغلب العمليات التي تم فيها إهدار المال العام، عبر بيع المصانع والشركات وتصفية القطاعات الإنتاجية، كان رجال السلطة مستفيدين وشركاء فيها، بشكل أو بآخر.
يمكننا أن نقول، وبوضوح، أن تلك السياسات الاقتصادية، عموماً، والتي طبقت، توصف وتوضح طبيعة السلطة، وطبيعة التحالفات المكونة لها وتوجهاتها وانحيازاتها، وتدل، وبشكل قاطع، على التوجهات الاقتصادية التي ستطبق مستقبلاً، لتفتح أبواب الفساد والنهب المنظم للموارد والثروات من مجموعات المصالح والمستثمرين بنصوص قانونيةٍ، وبقمع أمني إن تطلب الأمر. ما يعنى أن المواجهة، وإن تأخرت، فهي قادمة وبقوة، مع تلك السياسات وذلك التوجه الاقتصادي المعتمد على النهب والاستغلال والفساد، كمتلازمات في بنيه النظام السياسي والاقتصادي القائم.

نشرت فى العربيى الجديد بتاريخ  5 يونيو

رابط المقال 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

WordPress.com

WordPress.com is the best place for your personal blog or business site.

اللجنة الوطنية للتصدى للعنف الطائفى

لا للطائفية .......نعم للدولة المدنية

%d مدونون معجبون بهذه: